السياسة النقدية بعد تغيير حاكم مصرف سوريا المركزي
مايو 21, 2026 371

السياسة النقدية بعد تغيير حاكم مصرف سوريا المركزي

حجم الخط

أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين السورية في 15 أيار/ مايو قراراً مفاجئاً بتعيين حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية سفيراً في كندا، بعد أكثر من عام على توليه إدارة المصرف، قبل أن يُصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 99 لعام 2026 القاضي بتعيين محمد صفوت رسلان حاكماً جديداً للمصرف المركزي، في خُطوة تأتي وسط تحدِّيَات نقدية واقتصادية متصاعدة تواجهها البلاد. 

خلال فترة إدارة الحاكم السابق انتهج المصرف المركزي سياسة نقدية ركزت على إدارة التضخم والسيولة بعيداً عن أدوات سعر الفائدة التقليدية، في ظلّ محدودية فعالية السياسات النقدية داخل اقتصاد يغلب عليه الطابع النقدي غير المنظَّم وضعف الثقة بالقطاع المصرفي. واستندت هذه السياسة إلى محاولة إعادة بناء الثقة بالعملة الوطنية عَبْر أدوات كَمِّيَّة وإجراءات تنظيمية صارمة، كان أبرزها إطلاق عملية استبدال العملة القديمة بأخرى جديدة وحذف صفرين من الفئات النقدية اعتباراً من كانون الثاني/ يناير 2026، ضِمن خطة شملت طباعة وتوزيع ما قيمته 42 تريليون ليرة من الفئات القديمة، بما يعادل قُرابة 13 مليار قطعة نقدية وورقية فردية. 

غير أنّ عملية الاستبدال واجهت تباطؤاً واضحاً، إذ لم تتجاوز الكتلة التي تم استبدالها حتى منتصف آذار/ مارس 2026 نحو 40% من إجمالي الكتلة النقدية، رغم الإجراءات التنظيمية المتتابعة التي اتخذها المصرف المركزي، وآخِرها تمديد مهلة الاستبدال حتى نهاية حزيران/ يونيو المقبل. وبدَا هذا السقف الزمني طويلاً نسبياً مقارنة بحجم الحاجة إلى استعادة الاستقرار النقدي وضمان تدفُّق السيولة داخل السوق، خاصة أنّ استمرار التعايش بين العملتين لفترة طويلة خلق حالة من الارتباك النقدي، وفتح المجال أمام توسُّع المضاربات وزيادة الاعتماد على السوق الموازية. 

وتعود أسباب بُطْء الاستبدال إلى عوامل تقنية ولوجستية مرتبطة ببُطْء عمليات الطباعة والتوريد، وضعف جاهزية البِنْية المصرفية من صرّافات آلية وأنظمة عدّ وفرز، إلى جانب وجود انكماش نقدي فعلي نتج عن سحب كميات كبيرة من العملة القديمة دون ضخّ سريع ومكافئ من العملة الجديدة، مما انعكس على حركة السوق ومستوى السيولة اليومية، ودفع شريحة من السكان إلى تفضيل الاحتفاظ بالدولار أو التداول خارج القنوات الرسمية. 

جاءت الحرب "الأمريكية – الإسرائيلية" على إيران لتفرض ضغوطاً إضافيةً على سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، مع تصاعُد المخاوف في الأسواق وارتفاع الطلب على القطع الأجنبي. وفي هذا السياق، أصدر المصرف المركزي قراراً يُلزم شركاتِ الحوالات العالمية بالالتزام بتسعيرة النشرة الرسمية مع هامش حركة سعري جرى رفعه من 15 إلى 17%، غير أنّ الفارق بقي قائماً بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية بما يقارب 400 ليرة قديمة، مما عزز من نفوذ السوق السوداء والموازية في تحديد السعر الفعلي للصرف. 

وتزامن ذلك مع تمديد مهلة تبديل العملة شهراً إضافياً ضِمن ضوابط وقيود دفعت أصحاب المَلاءَة المالية الكبيرة من العملة القديمة إلى تسريع تحويل مدخراتهم نحو الدولار أو الأصول الأكثر استقراراً، بما شكَّل ضغطاً إضافياً على الليرة، ورسَّخ حالة القلق المرتبطة بمستقبل السياسة النقدية وقدرة المصرف المركزي على استكمال عملية الانتقال النقدي بسلاسة. 

كما أنّ سياسة التعويم المُدارة التي انتهجها المصرف المركزي نتيجة عدم قدرته على التدخل مع احتياط ضعيف من القطع أجنبي، ساهمت في ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لا سيما مع انعكاس ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد الإقليمية على الاقتصاد السوري الذي يعتمد بدرجة كبيرة على المستورَدات التي تُشكّل ما نسبته 85%، مما فاقم الاختلال في الميزان التجاري، ورفع من مستويات الاحتقان والتذمر الشعبي. 

وقبل تغيير الحاكم أطلق مصرف سوريا المركزي إستراتيجيته الشاملة للأعوام 2026 – 2030، والتي تقوم على خمس ركائز أساسية تشمل تحقيق استقرار نقدي مستدام، وبناء سوق صرف منظَّم، وتطوير منظومة المدفوعات الرقمية، وتوسيع نطاق الشمول المالي، في محاولة لإعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي وربط الاقتصاد السوري تدريجياً بالأنظمة المالية الدولية. 

يحمل تغيير حاكم مصرف سوريا المركزي أبعاداً نقدية واقتصادية وسياسية تتجاوز البُعد الإداري، حيث يأتي في مرحلة تُواجه فيها سوريا أزمة ثقة نقدية واضحة تتمثل في تعدُّد أسعار الصرف، واتساع الاقتصاد النقدي غير المصرفي، وتراجُع فعالية الأدوات التقليدية للمصرف المركزي. بالتالي يعكس التغيير إدراكاً رسمياً لحجم الضغوط التي تواجه السياسة النقدية، ومحاولة لامتصاص التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة المرتبطة بتدهور سعر الصرف ومستويات السيولة. 

أخيراً لا يعني تغيير الحاكم بالضرورة حدوث تحوُّل جذريّ في السياسة النقدية السورية، خاصة أنّ أدوات المصرف المركزي ما تزال محدودة بفعل هشاشة البِنْية الاقتصادية وضعف الاحتياطات النقدية وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية. وفي ظلّ هذه الظروف تبقى الثقة العامل الأكثر تأثيراً في استقرار الليرة، مما يجعل نجاح أيّ سياسة نقدية مرتبطاً بوجود رؤية اقتصادية متماسكة وإصلاحات أوسع تتجاوز تغيير الأشخاص نحو معالجة جذور الأزمة النقدية والاقتصادية في سوريا.