تداعيات الانسحاب الأمريكي الكامل من سوريا
Nis 19, 2026 368

تداعيات الانسحاب الأمريكي الكامل من سوريا

Font Size

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية في 16 نيسان/ إبريل 2026 استكمال انسحاب قواتها من سوريا، وتفكيك آخِر قاعدة عسكرية لها شمال شرق البلاد، منهية بذلك وجوداً بدأ في آب/ أغسطس عام 2014 بضربات جوية بشكل منفرد، ثم ضِمن التحالف الدولي الذي شكّلته الولايات المتحدة لمكافحة تنظيمَيْ داعش والقاعدة في أيلول/ سبتمبر عام 2014 بعد سيطرة تنظيم داعش على مدينة الرقة في كانون الثاني/ يناير ثم مدينة الموصل في العراق في حزيران/ يونيو عام 2014، وإعلانه الخلافة الإسلامية.

جاء الانسحاب الأمريكي في ظل 3 خُطوات مهمة أولها انضمام سوريا إلى التحالف في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وثانيها إنهاء عملية نقل مقاتلي داعش المعتقلين في السجون السورية إلى العراق بعد سيطرة القوات الحكومية السورية على معظم أراضي شمال شرق سوريا في كانون الثاني/ يناير 2026، وأخيراً وصول الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية إلى مراحله النهائية.

لا يؤثر الانسحاب الأمريكي على قدرات الحكومة السورية في التصدي لمكافحة الإرهاب، فعضويتها في التحالف تؤمن استمرار التنسيق المباشر مع قوات التحالف، وتبادُل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز أمن الحدود السورية العراقية، ومن جانب ثانٍ يعزز الانسحاب شرعية الحكومة على المستوى الدولي، ويساهم في استعادة السيادة التي فقدتها الدولة في عهد النظام البائد، والتي تسببت بانتشار مئات القواعد والنقاط العسكرية الأمريكية والروسية والتركية، إضافة إلى الإيرانية والميليشيات التابعة لها وعلى رأسها حزب الله اللبناني، ويعزز الانسحاب من جانبٍ ثالثٍ موقفَ الحكومة حال طلبها تفكيك القواعد الروسية والتركية وسحب جميع جنودهم من سوريا.

يعزز الانسحاب على المستوى الداخلي من موقف الحكومة في مفاوضاتها على تطبيق الاتفاق مع قسد، حيث يحرم الانسحاب قسد من أقوى أوراقها التي استخدمتها في المماطلة في تطبيق الاتفاق لمدة أكثر من عام، وفي التشدد في تلبية مطالبها وخاصة في الاحتفاظ بقواتها العسكرية كقوة منفصلة عن الجيش السوري، ولذا فمن المتوقع أن توافق قسد على الإدماج الكامل، كما أنه من المتوقع أن تضطر إلى تسليم جميع المعابر الحدودية التي كانت ترفض تسليمها.

على صعيد المناطق الأخرى في سوريا مثل السويداء فالانسحاب سيعزز أيضاً من موقف الحكومة في مفاوضاتها مع الفصائل المسيطرة على المدينة، ويسهل من تطبيق خارطة الطريق، وخصوصاً أن الولايات المتحدة من الموقِّعين على الخارطة إلى جانب الأردن والحكومة السورية، والانسحاب سيرسل رسائل مماثلة إلى فلول النظام البائد في الساحل للقبول بالتسويات والمصالحة التي عرضتها الحكومة، والتخلي عن السلاح، وهذا لا يتعارض ولا يمنع المطالب والاحتجاجات السلمية التي سيستمر المجتمع الدولي بدعمها لتلبية متطلبات قرار مجلس الأمن رقم 2254 في إقامة حكم موثوق به وشامل وغير طائفي. 

رغم هذا التعزيز لموقف الحكومة إلا أن احتمالات تدخُّل أطراف خارجية لتعويض "خسائر" الانسحاب الأمريكي تبقى قائمة، حيث ظهر تحرُّك فرنسي عاجل تمثّل في لقاء القائم بأعمال السفارة الفرنسية في سوريا "جان باتيست فيفر"، ومستشار الشؤون الأمنية فيها "هارولد بيريز" بالمبعوث الرئاسي لمتابعة تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني/ يناير 2026 مع قسد "زياد العايش" وخصوصاً الملفّ المتعلق بدمج قسد   وإبداء الاستعداد الفرنسي للمساهمة في تذليل الصعوبات التي قد تعترض عملية الدمج وَفْق ما تم التصريح به، وهو يعني محاولة فرنسية لتعويض الفراغ الأمريكي، وتقليل الخسائر المتوقعة لقسد.

من المتوقع أن تحافظ الحكومة السورية على مكاسب الانسحاب الأمريكي، ومنع أيّ محاولات للتدخل الخارجي، باعتبارها تدخُّلاً في الشؤون الداخلية لها، وهي كانت قد نجحت سابقاً في منع تدويل القضايا الداخلية بامتناعها عن الذهاب إلى باريس في مسار المفاوضات مع قسد، ويتسق مع سياسة الحكومة في تقليل التدخل الأممي في الشؤون الداخلية حيث ما زالت تفاوض الأمم المتحدة في مستقبل دورها في سوريا، وترفض نقل مكتب المبعوث إلى دمشق، كما أن تفكيك قسد سيكون أحد أهم العوامل التي ستسهل قرار خروج القوات التركية من سوريا، حيث كان وجود قسد يُعَدّ العامل الرئيسي المهدِّد للأمن القومي التركي.